الشيخ محمد رشيد رضا
371
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
تعالى له كأنه قال « صدق عبدي فيما يبلغه عني » ولذلك رجحوا ان هذه الدلالة وضعية كدلالة الكلام الإلهي وقيل إنها عقلية وتقدم بسط ذلك في تفسير آية البقرة وهذا الذي قالوه في اعجازه بالبلاغة قد اعترض عليه بعض الناس حتى المتقدمين الذين كانوا أقرب إلى فهمه وامتيازه بها من أهل عصرنا قال الفريقان : إن لكل بليغ من فصحاء كل أمة أسلوبا يمتاز به ، وأنتم أيها المسلمون تقولون إن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم كان أفصح قريش وهم أفصح العرب فلا غرو أن يمتاز فيهم بهذا الأسلوب والنظم القرآني كما امتاز بعض شعراء الجاهلية والاسلام بأسلوب خاص ، وكما امتاز شكسبير في شعراء الانكليز وفيكتور هيغو في شعراء الفرنسيس ، فعجز العرب عن الاتيان بمثل القرآن في بلاغته لا يدل على أنه من اللّه عز وجل ( ونقول ) إن هذا الاعتراض يذوب فيزول إذا عرض على الأشعة التي اقتبسناها من ضياء شمس القرآن في إعجازيه اللفظي والمعنوي في أول تفسير هذه السورة ثم في تفسير الآيتين ( 15 و 16 ) منها . وأما قولهم في إحدى مقدماته إن محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم كان أفصح قريش وأبلغهم في لغته ، فقد بينا بالنقل الثابت أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لم يكن قبل نزول القرآن عليه يذكر في فحول فصحائهم ولا في وسطهم بل لم يكن يعد منهم ، وانما صار كلامه ممتازا بالفصاحة والبلاغة بما استفاده من وحي القرآن كما استفاد من دونه منه ، على أنه ظل ككلام غيره من البشر في البعد عن مشابهة نظم القرآن وأسلوبه وتأثيره ، وهذا التفاوت لا نظير له في كلام بلغاء البشر ( فان قيل ) ان ما يظهر في السور الطويلة من روعة البلاغة وبراعة النظم لا يظهر في السور القصيرة ( قلنا ) لكن الناس عجزوا عن معارضة السور القصار كغيرها ، ولخفاء وجه الاعجاز فيها على بعضهم قال من قال منهم ان عجزهم كان بصرف اللّه تعالى لقدرهم عن المعارضة ، وقال بعضهم ان التحدي إنما كان بسورة طويلة كما نقلناه آنفا عن الرازي ووجهناه بأظهر مما وجهه به ، وهو أن تكون مما أرادوه من تهمة افترائه وبيانه انه إذا كان التحدي بسورة مثله مفتراة خاصا بالسور التي فيها قصص الرسل مع أقوامهم بالتفصيل فهذه كلها من السور الطويلة كالاعراف ويونس وهود والحجر وطه والمؤمنين والطواسين والعنكبوت . وإن كان يعم السور